• الإثنين 18 أكتوبر 2021
  • 12:57 am

رئيس التحرير

أشرف مصباح

img
img img-responsive
img

. الـخـِلـفـة الخـايـبـة


بقلم / محمد عبدالفتاح 

رئيس قسم  سابق بتعليم كفرالشيخ 

وكنت أمسك بذيل جلابية أمى صببحة يوم الأربعاء أثناء ذهابنا سوق القرية ، وهو موقع وسط بين المرابعين ونصره ، وكنت أيامها أراه واسعا لا حدود له وهو فى الحقيقة طرقتان ، يتوسطهما مصاطب عالية من طين ، يفترشها الباعة من كفر الشيخ والذين قصدوا السوق من كل حدب وصوب .

فكان هناك قسم للأقمشة ، وآخر للأسماك والفسيخ والسردين ، وآخر للمبات الجاز وبلورها ، وآخر لأحذية البلاستيك ، وغيرها ، لكن ما كان يهمنى هو ذاك الرجل بائع الفلافل على باب السوق ، منكفىء على طست إِسودّ لونه من نار باجور جاز ، عظيم اللهب ، تسمع صوته من بعيد ، كصوت قطار خرج من توه من المحطة .


ويومها أمسكت بتلابيب أمى وكانت ترتدى جلابية سوداء ، وابتاعتنى سندوتش عيش قرنيطة به بعض الفلافل ، فعصها الرجل بإصبعه ، فأمسكت السندوتش بيد ، أنهم منه قدر استطاعتى ، وأمسكت بجلابية أمى بيدى الأخرى ، أقلب ناظريا فيما حولى من بضاعة وزحام ، وأغيب عن الوجدان مع ما يأخذ عقلى ، وقلت لكم سابقآ ، إن الزمن كان كثيراً ما يتوقف ، كأنه معلم ، ليطبع فى ذاكرتى مشهداً ، وكأنه يقوله ، نقطة ومن أول السطر .

فلما دارت أمى فى أول طرقة من السوق ، وجدت صبيا شحاذا يستجدى بائع اللمبات وشريطها القطنى والمرايا ، يستعطفه ليعطيه مرايه ، ولما دارت أمى للمرة الثانية ودلفت في نفس المكان ، كان البائع قد عطف على الصبى ومنحه تلك المرايه ، فما كان من الصبى ، إلا أن ابتعد قليلا وبدأ يستقبل بها أشعة الشمس ، ويعكسها فى عين الرجل ، فوقفت مشدوها ، وأمسكت بامرأة أخرى وأنا لا أدرى .

فقام البائع وطارد الصبى حتى أمسك به ، وأخذ منه المرآة ، وصفعة مجموعة كفوف على وجهة ، وأنا أرقب المشهد ، فلما انتهى العرض ، رفعت بصرى أطالع وجه أمى لننصرف ، فإذ بى أمسكت بأخرى ، فكأنما ضللت فى الصحراء الكبرى ، وكأننى أرى وجوها غير مألوفة ، فنزل بقلبى هم لا حدود له ، ترجمته مدامعى إلى سيول وكأننى نزلت الأمريكتين ، واحترت في عبور الأطلنطي ، لأنى فقدت السبيل إلى الدار .

ولما كانت السوق سويقة صغيرة ، استدارت أمى من الناحية الأخرى لما افتقدتنى ، واصطحبتنى قافلة إلى الدار وقد أنهت مأموريتها ، وطبع مشهد الولد والمرايا والبائع فى ذهنى ، يلازمنى كلما صادفت خلفة خايبة ، وما أكثرها حتى وإن سمنت رقابها ، تظل مسخرة البشر بفعل مشين ، وفكر عقيم .

فعلموا أولادكم خطوطاً لا يجب تجاوزها ، وآداب لا ينكرونها .

مـهـمـا كــبــروا .

img
التعليقات

حقوق النشر محفوظة لـ كفر الشيخ اليوم © 2017 - تم التصميم والتطوير بواسطة Starwebers company